في مطلع التسعينات، وفورة تيار مايسمى (الصحوة الدينية)، كان النشاط الدعوي في أوجه عن طريق الشريط الإسلامي ومنابر الجمعة والتجمعات الإسلامية، بالإضافة إلى سيطرتها وتسخيرها لجميع الفعاليات المدرسية تقريباً لصالح جماعة (التربية الإسلامية)، ليكون انضمامك لهذه الجماعة خير وسيلة لضمان درجات المشاركة الثلاثة، والتساهل عن أي تأخير، وربما تقصير، فالمهم أن تكون (مع الجماعة)، وكان التهكم من الرأي الديني الآخر هو المتسيد، فتم تسفيه علماء الأزهر الشريف ومشايخته ومفتي الديار المصرية، ليمسوا المرجعية الوحيدة للدين الصحيح والطريق إلى الجنة، في دكتاتورية فكرية منظمة، وكانت أشهر نكتة دارجة آنذاك عن الشيخ المصري (إديه دجاجة.. يديك إفادة!).
لن أتطرق إلى شناعة هذه النكتة، كونها ترمي بتهم الرشوة، والإفتاء حسب الطلب، ولكن المفارقة أننا الآن من أصبح (نكتة) العالم والإعلام، ولم نبقِ شيئاً كمجتمع لم نستفتِ فيه، ولم يبق شيخاً أو طالب علم، أو حتى (مطوّع تحت التدريب)، ليس له فتوى، فشعار شيخ لكل مواطن لايكفي، فالأضواء مغرية جداً، ليكن التسابق على الإفتاء الفضائي وكل وسيلة ممكنة، فهناك قنوات فضائية للفتاوى، وبرامج افتاء، وقنوات رسائل SMS، و MMS (يعني فتوى مصورة!)، ومواقع انترنت ومنتديات للنقاش وتوضيح وتفصيل الفتوى، لأتساءل صدقاً.. ياشيخ (تحبني ولا تحب الدراهم)!
حين تمتنع الأم عن حضور زفاف ابنها لأن فيه (طقاقة)، وتحضر أخرى عرساً بعد مقاطعة سنوات طويلة لأن (الكلباني قال الأغاني حلال)، هو توضيح بسيط لتأثير الفتوى على فئات عديدة من المجتمع، وترسم حياة الكثيرين ممن وثقوا بهؤلاء المشايخ، واحترموا الفتوى، وإن لم يقتنعوا بها كثيراً فإنهم لا يتجاوزوها بسهولة، عملاً بمبدأ (في ذمة الشيخ ولا في ذمتك)، ولكن مايحدث حالياً هو استسهال للفتوى من طرف، والإستفتاء عن كل شيء من طرف آخر، لنصبح أضحوكة (لايفوتكم.. سمعتوا آخر فتوى؟).
مدد: عن عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما قالا: من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون.
*خاص بوكالة أخبار المجتمع السعودي